محمد هادي معرفة
571
التمهيد في علوم القرآن
لاختصاصه بما اختصّ به . ولنقتصر على هذا القدر من التنبيه على درجات الفصل ، وأغفلنا ذكر ما يتعلّق بهاتين الآيتين من العلوم المعنوية والعلوم البيانية ، وما يليق بهما من علم البديع ، ميلا إلى الاختصار . وهذا من مغاصات بحار التنزيل المحصّلة لخالص عقيانه ، وأسماط عقوده المؤلّفة من درره وحصيد مرجانه ، قد استخرجها النقّاد والغاصة ، واستولوا على لباب تلك الأسرار ، وأحاطوا منها بالخلاصة . ( الضرب الثاني ) في بيان عطف الجمل بعضها على بعض ، وما هذا حاله فهو كثير الدور في كتاب اللّه تعالى ، ولا بدّ أن يكون بينهما نوع ملاءمة ، لأجله جاز عطف إحداها على الأخرى كقوله تعالى : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ « 1 » وقوله تعالى : يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا « 1 » ونحو قوله تعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا « 3 » فأمّا قوله تعالى : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ « 4 » فإنما ورد من غير ذكر الواو ، لما كان واردا على جهة التعليل ، فلهذا لم ترد فيه واو ، كقوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ « 5 » ومن هذا قوله تعالى : إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ . وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ . وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ . وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ « 6 » فهذه الأمور كلّها عطف بعضها على بعض بجامع يجمعها ، وهو كونها من أمارات القيامة . ومن هذا قوله تعالى : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ . وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ . « 7 » ، فإنّما جاز العطف
--> ( 1 ) النساء : 142 . ( 3 ) الأعراف : 31 . ( 4 ) الأنعام : 141 ، الأعراف : 31 . ( 5 ) الأنفال : 13 ، الحشر : 4 . ( 6 ) الانفطار : 1 - 4 . ( 7 ) ق : 12 - 14 .